محمد جمال الدين القاسمي

184

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 50 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أي أخرجوه من السجن وأحضروه ، لما علم من علمه وفضله ، فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ أي يستدعيه إلى الملك قالَ أي يوسف له : ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ أي سيدك الملك ، فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي ما شأنهن وخبرهن ؟ أمره بأن يسأله ويستفهمه عن ذلك ، ولم يكشف له عن القصة ، ولا أوضحها له ، لأن السؤال مجملا ، مما يهيج الملك على الكشف والبحث والاستعلام ، فتحصل البراءة . وإنما كان السؤال المجمل يهيج الإنسان ، ويحركه للبحث عنه ، لأنه يأنف من جهله وعدم علمه به ، ولو قال : سله أن يفتش عن ذلك ، لكان طلبا للفحص عنه ، وهو مما يتسامح ويتساهل به ، وفيه جرأة عليه ، فربما امتنع منه ، ولم يلتفت إليه . قال الزمخشري : إنما تأنى وتثبت في إجابة الملك ، وقدم سؤال النسوة ، ليظهر براءة ساحته عما قرف به وسجن فيه ، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده ، ويجعلوه سلّما إلى حط منزلته لديه ، ولئلا يقولوا : ما خلد في السجن إلا لأمر عظيم وجرم كبير ، حق به أن يسجن ويعذب ، ويستكفّ شره ، وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها . قال عليه السلام : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التهم . و منه قال « 1 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للمارين به في معتكفه ، وعنده بعض نسائه : هي فلانة ، اتقاء للتهمة . و عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره ، واللّه يغفر له ، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان . ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني . ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال : ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت ، لأسرعت الإجابة ، وبادرتهم الباب ، ولما ابتغيت العذر ، إن كان لحليما ذا أناة . انتهى . رواه عبد الرزاق في مصنفه مرسلا عن عكرمة .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الاعتكاف ، 8 - باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد ، حديث 1031 ، عن صفية ، زوج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم .